اللي بموت ما بيرجعش…فيتوريو أريجوني

بعد 20 جلسة في محكمة المشتل العسكرية في مخيم الشاطئ في غزة خلال سنة تقريباً صدر حكم محكمة حماس ضد قتلة الإيطالي فيتوريو أريجوني وجاء على التحو التالي:

محمود السلفيتي + تامر الحساسنة: مذنبين بتهمة القتل والخطف..أشغال شاقة مؤبدة بالإضافة إلى 10 سنوات من الأشغال الشاقة.

3- خضر إجرام: مذنب بتهمة الخطف..10 سنين من الأشغال الشاقة.

4- عامر ابو غولة: مذنب بتهمة اخفاء فارين من العدالة وحكم بسنة واحدة في السجن.

حاولت أن أكون حاضرة في كل الجلسات بالرغم من صعوبة التواجد هناك: سخافة غياب فيتوريو ووجود قتلته أمامي خلف القضبان, وشعور بحقارة تواجدي واصدقاء فيك في نفس القاعة معهم ووجوب جلوسنا هناك على المقاعد بكل بساطة بدون أي رد فعل..اضطرارنا النظر إليهم ووقاحة مبادلتهم النظرات لنا..اجبارنا على تحمل برود تعبيرات وجوههم, ابتساماتهم وتلويحهم لعائلاتهم..مع كل شهيق ونظرة وحركة ورمشة وكلمة ووشوشة ووضحكة خبيثة مع كل زفير من خلف القضبان كنت أشعر بالاشمئزاز. أما في إحدى جلسات إدلاء الشهادات قالوا ما توقعناه جميعاً, غير أن ذلك لم يسهل علينا سماعهم, حين تجرؤوا وبكل سذاجة على تبرير جريمتهم بأن “فيتوريو كان يزني ببناتنا” ويقول آخر “نملك كل الأدلة التي تؤكد كلامنا, وكنا نراهن يدخلن ويخرجن من بيته” ويضيف: “هو كان كافر وكان ينشر ثقافة الفساد في غزة ومس عرضنا وشرفنا..فلم نستطع السكوت”. تخيلوا معي هذه الكلمات التي ترددت على مسامعنا مراراً وتكراراً يومها, بل وتخيلوا أني لم أستطع أن أقف لا لأدافع عن فيتوريو والعياذ بالله بل لأبصق بوجوههم. أما هنا فبإمكاني الدفاع وكتابة مئات الكلمات لإثبات براءة اريجوني لكني أختار أن أترفع عن هذا الانحطاط وإن كنتم ممن انحدروا لذلك المستوى فلا أمتلك إلا أن اشعر بالأسف تجاه عقولكم المريضة. كل ما يتبادر إلى ذهني من المحكمة صدمات سأضيفها إلى صدمة مقتل فيتوريو لأنه صدقوا أو لا تصدقوا فالكثير لم يتوعب استشهاد ذاك الإيطالي الضخم بعد!

صباح الإثنين 17 سبتمبر في تمام الساعة العاشرة وصلت مسرعة إلى المحكمة حتى لا أفوت الجلسة الأخيرة داعية ألا يتم تأجيلها مثل مصير عشرات الجلسات الماضية. دخلت فرأيت مصورين, قنوات محلية بالإضافة للجزيرة العربية, المحامين, أصدقاء فيتوريو من إيطاليين وفلسطينيين *بينعدوا ع الأصابع* الذين لم يفوتوا أي جلسة ووجوه كثيرة أخرى من جهة القتلة. عندها فقط عرفنا أنه فعلاً سيتم إعلان الحكم النهائي. لا أستطيع وصف ما شعرت به..أحاسيس مختلطة من الراحة لأني لن أضطر للرجوع لهذا المكان المقيت ولن أضطر لرؤية هذه الوجوه الكريهة..التوتر والخوف والقلق من الحكم الذي سيصدر علماً بمعرفتنا السابقة باستحالة الإعدام خضوعاً لمطلب عائلة أريجوني في إيطاليا, الذعر لعلمنا بأن هذه هي النهاية ففي غضون لحظات سيتم قفل ملف القضية للأبد مما يعني أن الحقيقة ستغيب عنا للأبد (لا أعني أن جلسات المحاكمة كانت مفيدة بأي شكل كان لا سمح الله).. أما ساعتَي الانتظار خارج القاعة لم تكن عامل مساعد في تهدئتنا وكانت بداية الجلسة في تمام الساعة الثانية عشر بالضبط!

دخلنا القاعة حيث جلس الرجال على المقاعد وقادتنا النساء العاملات في المحكمة إلى الجانب الآخر واستمعنا للحكم واقفين..عناصر أمن بأسلحة تفصل بيننا وبين القضاة والقفص لأول مرة..إذاً نعم هذه كانت الجلسة الأخيرة..

تسارع نبضات القلب, اندفاع الدم للوجه, سخونة غير طبيعية, الكل يرجف ويترقب..نظرة أخيرة على وجوه القتلة ومن ثم كان علي أن أترجم لصديقاتي الحكم..بعد سرد تفاصيل وبيانات المتهمين الأربعة (3 عساكر ومدني) سرد القاضي الأحكام..ترجمت وما زلت اشعر بكل ما سبق, في حين توقعت أن اشعر بالارتياح عند سماع تحقيق العدالة لكن ذلك لم يحدث. خرجت من القاعة لأستلم حقيبتي, دموعي تنهمر بشكل لا إرادي, ومحاولات لتعزية نفسي والآخرين بأي شيء إيجابي لكن شيئاً لم يخرج من فمي..ليسيطر بعدها احساس بالقهر..وقهر وقهر.

خارج المحكمة بانتظار تجمعنا لنغادر معاً هاجمنا مجموعة من أقارب القتلة لفظياً: “يلعن أبوكم كلكم واحد واحد. يا كفرة يا عملاء. ليش جايين عنّا؟ روحوا انقلعوا ع بلادكم وإنتو يا عملاء روحوا تخابروا مع الغرب في بلادهم مش في غزة. ولي روحي ضبي حالك وشعرك يا كافرة يا شر***ة” وغيرها من الشتائم والتهديدات. لم نتمالك أنفسنا اشتكينا لجيش العساكر بالمحكمة ولم يحركوا ساكناً فاشتبكنا معهم فتدخل العساكر واخرين وعاتبونا بحجة أنهم أقارب المحكومين..طيّب واحنا؟ أتطالبونا بالموضوعية والعقلانية في لحظة كهذه؟ أستعيد أحكامكم فيتوريو للحياة؟ هل سيتغير من الواقع شيء؟ هل من المفترض أن نفرح ونهنئ أنفسنا ب “تحقيق العدالة”؟ أيّ عدالة وما زلنا نهدد بنفس كلمات القتلة وأمام المحكمة أيضاً؟ بل وأينما نظرت وجدت اسم أحد أهم المخططين والمنفذين للجريمة (تم قتله بالإضافة للرأس المدبر الأردني عبد الرحمن بريزات, أثناء مداهمة مكان اختبائهم في النصيرات). نعم اسم بلال عوض العمري ينجس العديد من جدران غزة, ليس ذلك فحسب بل وكتب حرفياً وبكل فخر: “الشهيد المجاهد بلال عوض العمري..لا إله إلا الله محمد رسول الله” في حين تم إزالة كلمة “مقاومة” من جانب وجه فيتوريو في جرافيتي رسمناه أمام ميناء الصيادين تيمناً بالوشم العريض على ذراعه. علاوة على قيام الأمن الداخلي بمسح أكبر جرافيتي في غزة قامت به قافلة إيطالية باسم “Vik to Gaza” على طول جدران جاليري الاتحاد في تل الهوا.  أيّ عدالة التي لم تعيد فيتوريو إلى أهله؟ أي عدالة تلك التي لم تكشف الحقيقة فلم تزل غموض غياب الحجج الاولية بخطف اريجوني مقابل إطلاق سراح قائدهم “المقدسي” ولا غموض الشخصية الأخطر “بريزات الأردني” وعلاقاته مع بعض القادة السياسيين بشهادة شركاء الجريمة. والأهم من ذلك كله ما معنى كل السجون والأشغال الشاقة والمؤبدات مقابل خسارة روح؟

– لا شيء.

Advertisements

One Response to “اللي بموت ما بيرجعش…فيتوريو أريجوني”

  1. ثمينة الحصري Says:

    فجيعة مقتل أريجوني شعرتم بها أكثر منا جميعا أقصدكم كأصحابه ورفاقه ولا خزي للشعب الفلسطيني أكبر من ذبح متضامن معه. لكن فظائع أخرى نرتكبها يوميا بحق أنفسنا، نستسهل اتهام بعضنا البعض بالفجور والكفر واتهامات من الزنار وتحت. أعزيك أنت صديقة فيتوريو أريجوني وأحتقرنا لوهلة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: