Archive for September, 2012

اللي بموت ما بيرجعش…فيتوريو أريجوني

September 18, 2012

بعد 20 جلسة في محكمة المشتل العسكرية في مخيم الشاطئ في غزة خلال سنة تقريباً صدر حكم محكمة حماس ضد قتلة الإيطالي فيتوريو أريجوني وجاء على التحو التالي:

محمود السلفيتي + تامر الحساسنة: مذنبين بتهمة القتل والخطف..أشغال شاقة مؤبدة بالإضافة إلى 10 سنوات من الأشغال الشاقة.

3- خضر إجرام: مذنب بتهمة الخطف..10 سنين من الأشغال الشاقة.

4- عامر ابو غولة: مذنب بتهمة اخفاء فارين من العدالة وحكم بسنة واحدة في السجن.

حاولت أن أكون حاضرة في كل الجلسات بالرغم من صعوبة التواجد هناك: سخافة غياب فيتوريو ووجود قتلته أمامي خلف القضبان, وشعور بحقارة تواجدي واصدقاء فيك في نفس القاعة معهم ووجوب جلوسنا هناك على المقاعد بكل بساطة بدون أي رد فعل..اضطرارنا النظر إليهم ووقاحة مبادلتهم النظرات لنا..اجبارنا على تحمل برود تعبيرات وجوههم, ابتساماتهم وتلويحهم لعائلاتهم..مع كل شهيق ونظرة وحركة ورمشة وكلمة ووشوشة ووضحكة خبيثة مع كل زفير من خلف القضبان كنت أشعر بالاشمئزاز. أما في إحدى جلسات إدلاء الشهادات قالوا ما توقعناه جميعاً, غير أن ذلك لم يسهل علينا سماعهم, حين تجرؤوا وبكل سذاجة على تبرير جريمتهم بأن “فيتوريو كان يزني ببناتنا” ويقول آخر “نملك كل الأدلة التي تؤكد كلامنا, وكنا نراهن يدخلن ويخرجن من بيته” ويضيف: “هو كان كافر وكان ينشر ثقافة الفساد في غزة ومس عرضنا وشرفنا..فلم نستطع السكوت”. تخيلوا معي هذه الكلمات التي ترددت على مسامعنا مراراً وتكراراً يومها, بل وتخيلوا أني لم أستطع أن أقف لا لأدافع عن فيتوريو والعياذ بالله بل لأبصق بوجوههم. أما هنا فبإمكاني الدفاع وكتابة مئات الكلمات لإثبات براءة اريجوني لكني أختار أن أترفع عن هذا الانحطاط وإن كنتم ممن انحدروا لذلك المستوى فلا أمتلك إلا أن اشعر بالأسف تجاه عقولكم المريضة. كل ما يتبادر إلى ذهني من المحكمة صدمات سأضيفها إلى صدمة مقتل فيتوريو لأنه صدقوا أو لا تصدقوا فالكثير لم يتوعب استشهاد ذاك الإيطالي الضخم بعد!

صباح الإثنين 17 سبتمبر في تمام الساعة العاشرة وصلت مسرعة إلى المحكمة حتى لا أفوت الجلسة الأخيرة داعية ألا يتم تأجيلها مثل مصير عشرات الجلسات الماضية. دخلت فرأيت مصورين, قنوات محلية بالإضافة للجزيرة العربية, المحامين, أصدقاء فيتوريو من إيطاليين وفلسطينيين *بينعدوا ع الأصابع* الذين لم يفوتوا أي جلسة ووجوه كثيرة أخرى من جهة القتلة. عندها فقط عرفنا أنه فعلاً سيتم إعلان الحكم النهائي. لا أستطيع وصف ما شعرت به..أحاسيس مختلطة من الراحة لأني لن أضطر للرجوع لهذا المكان المقيت ولن أضطر لرؤية هذه الوجوه الكريهة..التوتر والخوف والقلق من الحكم الذي سيصدر علماً بمعرفتنا السابقة باستحالة الإعدام خضوعاً لمطلب عائلة أريجوني في إيطاليا, الذعر لعلمنا بأن هذه هي النهاية ففي غضون لحظات سيتم قفل ملف القضية للأبد مما يعني أن الحقيقة ستغيب عنا للأبد (لا أعني أن جلسات المحاكمة كانت مفيدة بأي شكل كان لا سمح الله).. أما ساعتَي الانتظار خارج القاعة لم تكن عامل مساعد في تهدئتنا وكانت بداية الجلسة في تمام الساعة الثانية عشر بالضبط!

دخلنا القاعة حيث جلس الرجال على المقاعد وقادتنا النساء العاملات في المحكمة إلى الجانب الآخر واستمعنا للحكم واقفين..عناصر أمن بأسلحة تفصل بيننا وبين القضاة والقفص لأول مرة..إذاً نعم هذه كانت الجلسة الأخيرة..

تسارع نبضات القلب, اندفاع الدم للوجه, سخونة غير طبيعية, الكل يرجف ويترقب..نظرة أخيرة على وجوه القتلة ومن ثم كان علي أن أترجم لصديقاتي الحكم..بعد سرد تفاصيل وبيانات المتهمين الأربعة (3 عساكر ومدني) سرد القاضي الأحكام..ترجمت وما زلت اشعر بكل ما سبق, في حين توقعت أن اشعر بالارتياح عند سماع تحقيق العدالة لكن ذلك لم يحدث. خرجت من القاعة لأستلم حقيبتي, دموعي تنهمر بشكل لا إرادي, ومحاولات لتعزية نفسي والآخرين بأي شيء إيجابي لكن شيئاً لم يخرج من فمي..ليسيطر بعدها احساس بالقهر..وقهر وقهر.

خارج المحكمة بانتظار تجمعنا لنغادر معاً هاجمنا مجموعة من أقارب القتلة لفظياً: “يلعن أبوكم كلكم واحد واحد. يا كفرة يا عملاء. ليش جايين عنّا؟ روحوا انقلعوا ع بلادكم وإنتو يا عملاء روحوا تخابروا مع الغرب في بلادهم مش في غزة. ولي روحي ضبي حالك وشعرك يا كافرة يا شر***ة” وغيرها من الشتائم والتهديدات. لم نتمالك أنفسنا اشتكينا لجيش العساكر بالمحكمة ولم يحركوا ساكناً فاشتبكنا معهم فتدخل العساكر واخرين وعاتبونا بحجة أنهم أقارب المحكومين..طيّب واحنا؟ أتطالبونا بالموضوعية والعقلانية في لحظة كهذه؟ أستعيد أحكامكم فيتوريو للحياة؟ هل سيتغير من الواقع شيء؟ هل من المفترض أن نفرح ونهنئ أنفسنا ب “تحقيق العدالة”؟ أيّ عدالة وما زلنا نهدد بنفس كلمات القتلة وأمام المحكمة أيضاً؟ بل وأينما نظرت وجدت اسم أحد أهم المخططين والمنفذين للجريمة (تم قتله بالإضافة للرأس المدبر الأردني عبد الرحمن بريزات, أثناء مداهمة مكان اختبائهم في النصيرات). نعم اسم بلال عوض العمري ينجس العديد من جدران غزة, ليس ذلك فحسب بل وكتب حرفياً وبكل فخر: “الشهيد المجاهد بلال عوض العمري..لا إله إلا الله محمد رسول الله” في حين تم إزالة كلمة “مقاومة” من جانب وجه فيتوريو في جرافيتي رسمناه أمام ميناء الصيادين تيمناً بالوشم العريض على ذراعه. علاوة على قيام الأمن الداخلي بمسح أكبر جرافيتي في غزة قامت به قافلة إيطالية باسم “Vik to Gaza” على طول جدران جاليري الاتحاد في تل الهوا.  أيّ عدالة التي لم تعيد فيتوريو إلى أهله؟ أي عدالة تلك التي لم تكشف الحقيقة فلم تزل غموض غياب الحجج الاولية بخطف اريجوني مقابل إطلاق سراح قائدهم “المقدسي” ولا غموض الشخصية الأخطر “بريزات الأردني” وعلاقاته مع بعض القادة السياسيين بشهادة شركاء الجريمة. والأهم من ذلك كله ما معنى كل السجون والأشغال الشاقة والمؤبدات مقابل خسارة روح؟

– لا شيء.

A Letter from a Palestinian Refugee to a Syrian Refugee

September 3, 2012

This heart-wrenching text was originally written in Arabic by Ibrahim Jaber Ibrahim back in 2011 and translated by Menna Alaa.

I just thought it has to be shared with you. النص الأصلي باللغة العربية أسفل الصورة

Your mom might lose you in the fields, and it will be funny for a refugee to say in a conversation later that he lost his way. My friend, only the one who knew his destination is the one who gets lost; and your destination was just escaping death, and here you are undead anyway!

Don’t be scared, everything there at home stays the same, kitchen pots, kids toys, and the tree behind the window…everything stays the same. However, this morning, you have to start getting used to your new things: You are now a number in refugee records, news, committee’s meetings, endeavoring delegations, and in the poems of poets who benefit from the dead people in battles even more than undertakers.

The tent will be upsetting on the first night… and then in the first year, and then it will become friendly like a member of the family, but don’t fall in love with it like we did.

Don’t rejoice if they ever build you a health center or an elementary school, that’s not good news at all! Never get involved by asking for stupid demands like building small homes instead of the tents or having water pipes and electricity lines; this means that you’re starting to adapt… and this is death for a refugee… and this is his tomb.

Don’t train your kids to have patience, patience is the plot of the weak, and the plea of the abandoned and a refugee dies if he doesn’t look behind him twice at moments.

You’re not the son of ”there”, always remember this, you have a favor ”here” that can’t be betrayed, never sleep without listing its advantages to your kids, and tell them how your people died, and how they were slaughtered on TV channels because they didn’t clap after the speech. Tell them that you sleep between foreign trees, because you never wished to be fooled twice!

People will sell you to each other, that’s how politicians are, solidarity groups will come to you from all countries, you’ll become their electoral slogans.

They’ll use you when they’re seeking God, and people will work hard to visit you in Ramadan and Eids and religious events! Some will take photos of your tired and starving children and your wife who’s sleeping in the shade in order to be the subject of an award winning picture!

This is your new life: Love will break inside tents; a talented painter will be born, and a prostitute and a spy will be born too, but so will redemptive suicide attackers.

You’ll learn new languages and new feelings, and soon you’ll have an obscure relationship with exile, and one deceiving night you’ll feel it doesn’t anything more for it to be home, but soon you’ll notice: The trees here don’t grow green like they should, the salt isn’t salty, and people who passed away won’t forgive me, and then you look behind you twice!

Here is when your son – who has grown to be a man without you noticing – approaches to convey the memory and the dream that had killed your back.

Maybe, my friend, it will seem complicated in the beginning, but it’s obvious: You’re ”there” because ”here” is seedy, and maybe your absence will last longer than two days, but you’re not in a trip to seek a new identity, and you’ll never think about providing an electricity line to tent.

This is our mistake, when we said: The tent is too small and we need two extra tents!

My friend, don’t think of the issue unless you’re looking back! Remember also that you have turned your left cheek twice, so which cheek are you turning now?

Listen to me, I have a 63 years more experience in this ”job” than you: Don’t take pictures with Goodwill Ambassadors, don’t complain to them about how hot it is or about the pebbles you found in bread. Tell them that your problem is not emotional, and that an Angelina Jolie visit will not solve it.

And be careful not to ask for a better tent, as there is no tent better than another.

 

رسالة من فلسطيني إلى لاجئ سوريّ!

ابراهيم جابر ابراهيم

قد تُضيعك أمّك في الحقول “التركية”، وسيكون مُضحكًا أن يقول لاجئ ـ في معرِض حديثه لاحقًا ـ أنه قد ضاع! وحده الذي كان يعرف وجهته، هو الذي يضيعُ يا صديقي، وأنت وجهتك كانت مُجرّد النجاة من الموت، وها أنت لم تمت على كل الأحوال!

ولا تَخف، فكلّ شيءٍ في البيت، هناك، سيظلّ على حالِه، أواني المطبخ، ألعاب الأولاد، الشجرة العاقر خلف النافذة.. كلّ شيءٍ سيظلّ على حالِه، لكن عليك بدءًا من هذا الصباح أن تعتاد أشياءك الجديدة: أنت الآن رقمٌ في سجلات اللاجئين، وفي نشرات الأخبار، وفي اجتماعات اللجان ومساعي الوفود، وفي قصائد الشعراء الذين يستفيدون من قتلى المعارك أكثر مما يستفيد عُمّال المقابر!

ستكون الخيمة مزعجة في الليلة الأولى، ثم في السنة الأولى، بعد ذلك ستصير ودودةً كواحدٍ من العائلة، لكن حاذر أن تقع في حبها، كما فعلنا!

لا تبتهج إن رأيتهم يقيمون لكم مركزًا صحيًّا، أو مدرسةً ابتدائية، هذا خبرٌ غير سارّ أبدًا!

وإيّاك أن تتورط بمطالبات غبية مثل بناء بيوت بسيطة بدل الخيام، أو بخطوط مياه وكهرباء، ذلك يعني أنك بدأت تتعايش.. وهنا مَقتلُ اللاجئ، وهنا أيضًا مَقبرته!

انتبه دائماً أن لا تترك غضبك في الخيمة حين تخرج، كُن غاضباً دائما، غضبك هو الذي سيجعلك حيّا، غضبك مَعدات بقائك، وإن استرحتَ يومًا فهذا يعني أنك لم تعد تلهثُ باتجاه “العودة”!

ولا تُدرّب أولادك على الصبر، الصبر حيلة العاجز، وذريعة مَن تَخلّى، واللاجئ يموت إن لم ينظر خلفه مرّتين في اللحظة الواحدة.

أنت لستَ ابن “هناك”، تَذَكّر هذا دائما، أنت لك “هنا” جميل ولا يُخان .. لا تنم ليلةً دون أن تُعدّد محاسنه لأطفالك، واقرأ عليهم كيف مات الناس، وكيف ذُبحوا على شاشات التلفزيون لأنهم لم يُصفّقوا للخِطاب، وقل لهم إنك تنام بين أشجارٍ غريبة، لأنك لم تشأ أن تُلدغَ من جُحر واحدٍ مَرّتين!

سيبيعك الناس لبعضهم، تلك هواية السياسيين، وسيجيئك المتضامنون من كل البلاد، ستصير أنتَ شعارهم الانتخابي، ويتقربون بك إلى الله، وستزداد همّة الناس في تفقّدك في “رمضان”، وفي الأعياد والمناسبات الدينية!

والبعض سيصوّر أطفالك منهكين وجائعين، لمجرد أن يحصل على مكافأة من رئيس التحرير، أو مدير المحطّة، وزوجتك النائمة الآن في الظلّ قد تكون موضوعًا لصورةٍ تفوز بجائزةٍ دولية!

تلك حياتك الجديدة: سينشب حبٌّ في الخيام، ويولد رَسّامٌ موهوب، وسيولد أيضًا عميلٌ وعاهرة، وسيولد فدائي مهنته أن يصنع (من جزمةٍ أُفقا!)

ستتعلّمون لغات جديدة، ومشاعر جديدة، وستنشأ علاقةٌ مُلتبسةٌ مع المنفى، وقد تشعر في ليلةٍ ماكرةٍ بأنه لا ينقصهُ شيء ليكون كافياً كوطن.. لكنك سرعان ما ستنتبه: الأشجار هنا لا تخضرّ كما يجب، والملح ليس مالحا، والذين ماتوا لن يغفروا لي، وتعود تنظر للوراء مرّتين!

وهنا سيتقدمُ ابنك الذي صار رجلاً دون أن تنتبه ليحمل عنك الذاكرة.. ليحمل حُلمك الذي أنقض ظهرك!

ربما يا صديقي أن الأمر سيبدو مُعقّدًا في البداية، لكنّه واضحٌ: أنت “هناك” لأن الـ”هنا” متوعكة، وقد يطول غيابك ليلتين، لكنك لستَ في رحلةٍ للبحث عن هويّة جديدة، ولن تُفكّر حتماً في مدّ سلك كهرباء إلى الخيمة.. تلك خطيئتنا نحن، حين قُلنا: الخيمة ضيّقةٌ ونحتاج خيمتين إضافيتين!

يا صديقي لا تُفكّر في الأمر إلا وأنت تنظرُ خلفك، وتذكر أيضًا أنك أدرتَ خدّك الأيسر مرّتين، أيّ خدّ ستدير الآن؟!

واسمعني، فأنا أفوقك خبرة بـ63 عامًا في هذه “المهنة”: لا تلتقط الصور التذكارية مع سفراء النوايا الحسنة، ولا تشكو لهم حرارة الطقس، أو من الحصى في الخبز، وحاذر أن تطالب بخيمةٍ أفضل، ليس ثمة خيمة أفضل من خيمة، وقل لهم إن مشكلتك ليست

“عاطفية، ولن تحلّها زيارة “أنجلينا جولي